الجاحظ

17

البخلاء

الخوف ، وبخسوا نصيب الرجاء ، مع طول السلامة ، وشمول العافية ؟ والمعافى أكثر من المبتلى ؛ وليست الفوائد أقل من الحوائج « 1 » . بل كيف يدعو إلى السعادة من خصّ نفسه بالشقوة ، فكيف ينتحل نصيحة العامة ، من بدأ بغشّ الخاصة ؟ ولم احتجوا ، مع شدة عقولهم ، لما أجمعت الأمة على تقبيحه ؟ ولم فخروا ، مع اتساع معرفتهم ، بما أطبقوا على تهجينه « 2 » ؟ وكيف يفطن عند الاعتلال له ، ويتغلغل « 3 » عند الاحتجاج عنه ، إلى الغايات عنه ، إلى الغايات البعيدة والمعاني اللطيفة ، ولا يفطن لظاهر قبحه ، وشناعة اسمه ، وخمول ذكره وسوء أثره على أهله . وكيف ، وهو الذي يجمع له بين الكد ، وقلة المرزئة « 4 » ، وبين السهر ، وخشونة المضجع ، وبين طول الاغتراب ، وطول قلة الانتفاع ، ومع علمه بأن وارثه أعدى له من عدّوه ، وأنه أحقّ بماله من وليّه ، أوليس هو أظهر الجهل والغباوة ، وانتحل الغفلة والحماقة ، ثم احتجّ لذلك بالمعاني الشداد ، وبالألفاظ الحسان ، وجودة الاختصار ، وبتقريب المعنى ، وبسهولة المخرج ، وإصابة الموضع ، فكان ما ظهر من معانيه وبيانه مكذّبا لما ظهر من جهله ونقصانه . ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض ، ويغبى عن القريب الجليل ؟ ! . وقلت : فبيّن لي ما الشيء الذي خبّل « 5 » عقولهم ، وأفسد أذهانهم ، وأغشى تلك الأبصار ، ونقض ذلك الإعتدال ؟ وما الشيء الذي له

--> « 1 » الحوائج : مفردها جائحة ، وهي البلية والتهلكة . « 2 » تهجينه : ذمه وتقبيحه . « 3 » يتغلغل : يتداخل فيه على تعب . « 4 » قلة المرزئة : عدم إصابة المال والحصول عليه . « 5 » خبّل : أفسد .